فصل: تفسير الآيات (71- 88):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (55- 70):

{هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70)}
قوله: {هذا} قال الزجاج: هذا خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر هذا، فيوقف على هذا. قال ابن الأنباري: وهذا وقف حسن، ثم يبتدئ {وَإِنَّ للطاغين}، ويجوز أن يكون هذا مبتدأ، وخبره محذوف، أي: هذا كما ذكر، أو هذا ذكر. ثم ذكر سبحانه ما لأهل الشرّ بعد أن ذكر ما لأهل الخير، فقال: {وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ مَآبٍ} أي: الذين طغوا على الله، وكذبوا رسله {لَشَرَّ مَئَابٍ} لشر منقلب ينقلبون إليه، ثم بيّن ذلك، فقال: {جَهَنَّم يَصْلَوْنَهَا}، وانتصاب {جهنم} على أنها بدل من {شرّ مآب}، أو منصوبة بأعني، ويجوز أن يكون عطف بيان على قول البعض كما سلف قريباً، ويجوز أن يكون منصوباً على الاشتغال، أي: يصلون جهنم يصلونها، ومعنى {يصلونها}: يدخلونها، وهو في محل نصب على الحالية {فَبِئْسَ المهاد} أي: بئس ما مهدوا لأنفسهم، وهو الفراش، مأخوذ من مهد الصبي، ويجوز أن يكون المراد بالمهد الموضع، والمخصوص بالذمّ محذوف، أي: بئس المهاد هي كما في قوله: {لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} [الأعراف: 41] شبه الله سبحانه ما تحتهم من نار جهنم بالمهاد {هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} هذا في موضع رفع بالابتداء، وخبره حميم، وغساق على التقديم والتأخير، أي: هذا حميم، وغساق، فليذوقوه. قال الفراء، والزجاج: تقدير الآية: هذا حميم وغساق فليذوقوه، أو يقال لهم في ذلك اليوم هذه المقالة. والحميم: الماء الحارّ الذي قد انتهى حرّه، والغساق: ما سال من جلود أهل النار من القيح، والصديد، من قولهم: غسقت عينه إذا انصبت، والغسقان: الانصباب. قال النحاس: ويجوز أن يكون المعنى: الأمر هذا، وارتفاع حميم وغساق على أنهما خبران لمبتدأ محذوف، أي: هو حميم، وغساق، ويجوز أن يكون هذا في موضع نصب بإضمار فعل يفسره ما بعده، أي: ليذوقوا هذا، فليذوقوه، ويجوز أن يكون حميم مرتفع على الابتداء، وخبره مقدّر قبله، أي: منه حميم، ومنه غساق، ومثله قول الشاعر:
حتى إذا ما أضاء البرق في غلس ** وغودر البقل ملويّ ومخضود

أي: منه ملويّ، ومنه مخضود، وقيل: الغساق ما قتل ببرده، ومنه قيل: لليل غاسق، لأنه أبرد من النهار، وقيل: هو الزمهرير، وقيل: الغساق: المنتن، وقيل: الغساق: عين في جهنم يسيل منه كلّ ذوب حية، وعقرب.
وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج النساء الزواني، ومن نتن لحوم الكفرة، وجلودهم.
وقال محمد بن كعب: هو: عصارة أهل النار، وقال السدي: الغساق: الذي يسيل من دموع أهل النار يسقونه مع الحميم، وكذا قال ابن زيد.
وقال مجاهد، ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده، وتفسير الغساق بالبارد أنسب بما تقتضيه لغة العرب، ومنه قول الشاعر:
إذا ما تذكرت الحياة وطيبها ** إليّ جرى دمع من الليل غاسق

أي: بارد، وأنسب أيضاً بمقابلة الحميم. وقرأ أهل المدينة، وأهل البصرة، وبعض الكوفيين بتخفيف السين من {غساق}، وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة بالتشديد، وهما لغتان بمعنى واحد كما قال الأخفش. وقيل: معناهما مختلف؛ فمن خفف، فهو اسم مثل عذاب، وجواب، وصواب، ومن شدّد قال: هو اسم فاعل للمبالغة نحو ضرّاب، وقتال {وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ} قرأ الجمهور: {وآخر} مفرد مذكر، وقرأ أبو عمرو: {وأخر} بضم الهمزة على أنه جمع، وأنكر قراءة الجمهور لقوله أزواج، وأنكر عاصم الجحدري قراءة أبي عمرو، وقال: لو كانت كما قرأ لقال: من شكلها، وارتفاع آخر على أنه مبتدأ، وخبره أزواج، ويجوز أن يكون من شكله خبراً مقدّماً، وأزواج مبتدأ مؤخراً، والجملة خبر آخر، ويجوز أن يكون خبراً آخر مقدراً، أي: وآخر لهم، و{مِن شَكْلِهِ أزواج} جملة مستقلة؛ ومعنى الآية على قراءة الجمهور: وعذاب آخر، أو مذوق آخر، أو نوع آخر من شكل العذاب، أو المذوق، أو النوع الأوّل، والشكل المثل، وعلى القراءة الثانية يكون معنى الآية: ومذوقات أخر، أو أنواع أخر من شكل ذلك المذوق، أو النوع المتقدّم. وإفراد الضمير في شكله على تأويل المذكور، أي: من شكل المذكور، ومعنى {أزواج}: أجناس، وأنواع وأشباه. وحاصل معنى الآية: أن لأهل النار حميماً، وغساقاً، وأنواعاً من العذاب من مثل الحميم، والغساق. قال الواحدي: قال المفسرون: هو: الزمهرير، ولا يتمّ هذا الذي حكاه عن المفسرين إلا على تقدير أن الزمهرير أنواع مختلفة، وأجناس متفاوتة؛ ليطابق معنى أزواج، أو على تقدير أن لكلّ فرد من أهل النار زمهريراً. {هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} الفوج: الجماعة، والاقتحام. الدخول، وهذا حكاية لقول الملائكة الذين هم خزنة النار، وذلك أن القادة والرؤساء إذا دخلوا النار، ثم دخل بعدهم الأتباع. قالت الخزنة للقادة: هذا فوج، يعنون: الأتباع {مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} أي: داخل معكم إلى النار، وقوله: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} من قول القادة والرؤساء لما قالت لهم الخزنة ذلك قالوا: لا مرحباً بهم، أي: لا اتسعت منازلهم في النار، والرحب: السعة، والمعنى: لا كرامة لهم، وهذا إخبار من الله سبحانه بانقطاع المودة بين الكفار، وأن المودّة التي كانت بينهم تصير عداوة. وجملة لا مرحباً بهم دعائية لا محل لها من الإعراب، أو صفة للفوج، أو حال منه، أو بتقدير القول، أي: مقولاً في حقهم لا مرحباً بهم. وقيل: إنها من تمام قول الخزنة. والأوّل أولى كما يدل عليه جواب الأتباع الآتي، وجملة: {إِنَّهُمْ صَالُو النار} تعليل من جهة القائلين: لا مرحباً بهم، أي: إنهم صالوا النار كما صليناها، ومستحقون لها كما استحقيناها.
وجملة: {قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} مستأنفة جواب سؤال مقدّر، أي: قال الأتباع عند سماع ما قاله الرؤساء لهم: بل أنتم لا مرحباً بكم، أي: لا كرامة لكم، ثم عللوا ذلك بقولهم: {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} أي: أنتم قدّمتم العذاب أو الصليّ لنا، وأوقعتمونا فيه، ودعوتمونا إليه بما كنتم تقولون لنا من أن الحقّ ما أنتم عليه، وأن الأنبياء غير صادقين فيما جاءوا به {بِئْسَ القرار} أي: بئس المقرّ جهنم لنا، ولكم. ثم حكي عن الأتباع أيضاً: أنهم أردفوا هذا القول بقول آخر، وهو: {قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً في النار} أي: زده عذاباً ذا ضعف، والضعف بأن يزيد عليه مثله، ومعنى من {قدّم لنا هذا}: من دعانا إليه، وسوّغه لنا. قال الفراء: المعنى: من سوّغ لنا هذا، وسنه، وقيل: معناه: قدّم لنا هذا العذاب بدعائه إيانا إلى الكفر، فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا، فصار ذلك ضعفاً، ومثله قوله سبحانه: {رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مّنَ النار} [الأعراف: 38] وقوله: {رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب} [الأحزاب: 68] وقيل: المراد بالضعف هنا: الحيات، والعقارب. {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ الأشرار} قيل: هو من قول الرؤساء، وقيل: من قول الطاغين المذكورين سابقاً. قال الكلبي: ينظرون في النار، فلا يرون من كان يخالفهم من المؤمنين معهم فيها، فعند ذلك قالوا: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار. وقيل: يعنون: فقراء المؤمنين كعمار، وخباب، وصهيب، وبلال، وسالم، وسلمان. وقيل: أرادوا أصحاب محمد على العموم {أتخذناهم سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار} قال مجاهد: المعنى: أتخذناهم سخرياً في الدنيا، فأخطأنا، أم زاغت عنهم الأبصار، فلم نعلم مكانهم؟ والإنكار المفهوم من الاستفهام متوجه إلى كل واحد من الأمرين. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا: اتخذوهم سخرياً، وزاغت عنهم أبصارهم. قال الفراء: والاستفهام هنا بمعنى: التوبيخ، والتعجب. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وابن كثير، والأعمش بحذف همزة اتخذناهم في الوصل. وهذه القراءة تحتمل أن يكون الكلام خبراً محضاً، وتكون الجملة في محل نصب صفة ثانية ل {رجالاً}، وأن يكون المراد: الاستفهام، وحذفت أداته لدلالة أم عليها، فتكون أم على الوجه الأوّل منقطعة بمعنى: بل، والهمزة، أي: بل أزاغت عنهم الأبصار على معنى: توبيخ أنفسهم على الاستسخار، ثم الإضراب، والانتقال منه إلى التوبيخ على الازدراء، والتحقير، وعلى الثاني أم هي المتصلة. وقرأ الباقون بهمزة استفهام سقطت لأجلها همزة الوصل، ولا محل للجملة حينئذٍ، وفيه التوبيخ لأنفسهم على الأمرين جميعاً؛ لأن أم على هذه القراءة هي للتسوية. وقرأ أبو جعفر، ونافع، وشيبة، والمفضل، وهبيرة، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي: {سخرياً} بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها.
قال أبو عبيدة: من كسر جعله من الهزء، ومن ضم جعله من التسخير، والإشارة بقوله: {إِنَّ ذلك} إلى ما تقدّم من حكاية حالهم، وخبر إنّ قوله: {لَحَقُّ} أي: لواقع ثابت في الدار الآخرة لا يتخلف ألبتة، و{تَخَاصُمُ أَهْلِ النار} خبر مبتدأ محذوف، والجملة بيان لذلك، وقيل: بيان لحقّ، وقيل: بدل منه، وقيل: بدل من محل ذلك، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وهذا على قراءة الجمهور برفع تخاصم. والمعنى: إن ذلك الذي حكاه الله عنهم لحقّ لابد أن يتكلموا به، وهو تخاصم أهل النار فيها، وما قالته الرؤساء للأتباع، وما قالته الأتباع لهم. وقرأ ابن أبي عبلة بنصب: {تخاصم} على أنه بدل من ذلك، أو بإضمار أعني. وقرأ ابن السميفع: {تخاصم} بصيغة الفعل الماضي، فتكون جملة مستأنفة. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول قولاً جامعاً بين التخويف، والإرشاد إلى التوحيد، فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ} أي: مخوّف لكم من عقاب الله، وعذابه {وَمَا مِنْ إله} يستحق العبادة {إِلاَّ الله الواحد} الذي لا شريك له {القهار} لكل شيء سواه. {رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} من المخلوقات {العزيز} الذي لا يغالبه مغالب {الغفار} لمن أطاعه، وقيل: معنى {العزيز}: المنيع الذي لا مثل له، ومعنى {الغفار}: الستار لذنوب خلقه. ثم أمره سبحانه أن يبالغ في إنذارهم، ويبين لهم عظم الأمر، وجلالته، فقال: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} أي: ما أنذرتكم به من العقاب وما بينته لكم من التوحيد هو خبر عظيم، ونبأ جليل، من شأنه العناية به، والتعظيم له، وعدم الاستخفاف به، ومثل هذه الآية قوله: {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ النبإ العظيم} [النبأ: 1، 2]، وقال مجاهد، وقتادة، ومقاتل: هو: القرآن، فإنه نبأ عظيم؛ لأنه كلام الله. قال الزجاح: قل: النبأ الذي أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم، يعني: ما أنبأهم به من قصص الأولين، وذلك دليل على صدقه، ونبوّته؛ لأنه لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله، وجملة {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} توبيخ لهم، وتقريع لكونهم أعرضوا عنه، ولم يتفكروا فيه، فيعلموا صدقه، ويستدلوا به على ما أنكروه من البعث. وقوله: {مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى} استئناف مسوق لتقرير أنه نبأ عظيم، والملأ الأعلى هم: الملائكة {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أي: وقت اختصامهم؛ فقوله: {بالملإ الأعلى} متعلق بعلم على تضمينه معنى: الإحاطة، وقوله: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} متعلق بمحذوف، أي: ما كان لي فيما سبق علم بوجه من الوجوه بحال الملأ الأعلى وقت اختصامهم، والضمير في {يختصمون} راجع إلى الملأ الأعلى، والخصومة الكائنة بينهم هي في أمر آدم كما يفيده ما سيأتي قريباً.
وجملة: {إِن يوحى إِلَىَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} معترضة بين اختصامهم المجمل، وبين تفصيله بقوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة}. والمعنى: ما يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين. قال الفراء: المعنى: ما يوحى إليّ إلا أنني نذير مبين أبين لكم ما تأتون من الفرائض، والسنن، وما تدعون من الحرام، والمعصية. قال: كأنك قلت: ما يوحى إليّ إلا الإنذار. قال النحاس: ويجوز أن تكون في محل نصب، بمعنى: ما يوحى إليّ إلا لأنما أنا نذير مبين. قرأ الجمهور بفتح همزة أنما على أنها وما في حيزها في محل رفع لقيامها مقام الفاعل، أي: ما يوحى إليّ إلا الإنذار، أو إلا كوني نذيراً مبيناً، أو في محل نصب، أو جرّ بعد إسقاط لام العلة، والقائم مقام الفاعل على هذا الجارّ والمجرور. وقرأ أبو جعفر بكسر الهمزة؛ لأن في الوحي معنى القول، وهي: القائمة مقام الفاعل على سبيل الحكاية، كأنه قيل: ما يوحى إليّ إلا هذه الجملة المتضمنة لهذا الإخبار، وهو أن أقول لكم إنما أنا نذير مبين. وقيل: إن الضمير في {يختصمون} عائد إلى قريش؛ يعني: قول من قال منهم: الملائكة بنات الله، والمعنى: ما كان لي علم بالملائكة إذ تختصم فيهم قريش، والأوّل أولى.
وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَغَسَّاقٌ} قال: الزمهرير {وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ} قال: من نحوه {أزواج} قال: ألوان من العذاب.
وأخرج أحمد، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا» قال الترمذي بعد إخراجه: لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. قلت: ورشدين فيه مقال معروف.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله: {فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً في النار} قال: أفاعي، وحيات.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بالملإ الأعلى} قال: الملائكة حين شوروا في خلق آدم، فاختصموا فيه، وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة.
وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} قال: هي: الخصومة في شأن آدم حيث قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30].
وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن نصر في كتاب الصلاة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني الليلة ربي في أحسن صورة، أحسبه قال في المنام- قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديّي، أو في نحري، فعلمت ما في السموات، والأرض، ثم قال لي: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم في الكفارات، والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره»، الحديث.
وأخرج الترمذي وصححه، ومحمد بن نصر، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه من حديث معاذ بن جبل نحوه بأطول منه، وقال: «وإسباغ الوضوء في السبرات».
وأخرج الطبراني، وابن مردويه من حديث جابر بن سمرة نحوه بأخصر منه.
وأخرجا أيضاً من حديث أبي هريرة نحوه، وفي الباب أحاديث.

.تفسير الآيات (71- 88):

{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)}
لما ذكر سبحانه خصومة الملائكة إجمالاً فيما تقدّم ذكرها هنا تفصيلاً، فقال: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة} {إذ} هذه هي بدل من {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} لاشتمال ما في حيز هذه على الخصومة. وقيل: هي منصوبة بإضمار اذكر، والأوّل أولى إذا كانت خصومة الملائكة في شأن من يستخلف في الأرض. وأما إذا كانت في غير ذلك مما تقدّم ذكره، فالثاني أولى {إِنّى خالق بَشَراً مّن طِينٍ} أي: خالق فيما سيأتي من الزمن {بَشَرًا} أي: جسماً من جنس البشر مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه بادي البشرة. وقوله: {مِن طِينٍ} متعلق بمحذوف هو: صفة لبشر، أو بخالق، ومعنى {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ}: صوّرته على صورة البشر، وصارت أجزاؤه مستوية {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى} أي: من الروح الذي أملكه، ولا يملكه غيري. وقيل: هو تمثيل، ولا نفخ، ولا منفوخ فيه. والمراد: جعله حياً بعد أن كان جماداً لا حياة فيه.
وقد مرّ الكلام في هذا في سورة النساء {فَقَعُواْ لَهُ ساجدين} هو أمر من وقع يقع، وانتصاب {ساجدين} على الحال، والسجود هنا هو: سجود التحية لا سجود العبادة، وقد مضى تحقيقه في سورة البقرة. {فَسَجَدَ الملائكة} في الكلام حذف تدلّ عليه الفاء، والتقدير: فخلقه، فسوّاه، ونفخ فيه من روحه، فسجد له الملائكة. وقوله: {كُلُّهُمْ} يفيد أنهم سجدوا جميعاً، ولم يبق منهم أحد. وقوله: {أَجْمَعُونَ} يفيد أنهم اجتمعوا على السجود في وقت واحد، فالأوّل: لقصد الإحاطة، والثاني: لقصد الاجتماع. قال في الكشاف: فأفادا معاً أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعاً في وقت واحد غير متفرّقين في أوقات. وقيل: إنه أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم {إِلاَّ إِبْلِيسَ} الاستثناء متصل على تقدير: أنه كان متصفاً بصفات الملائكة داخلاً في عدادهم، فغلبوا عليه، أو منقطع على ما هو الظاهر من عدم دخوله فيهم، أي: لكن إبليس {استكبر} أي: أنف من السجود جهلاً منه بأنه طاعة لله، وكان استكباره استكبار كفر، فلذلك {كَانَ مِنْ الكافرين} أي: صار منهم بمخالفته لأمر الله، واستكباره عن طاعته، أو كان من الكافرين في علم الله سبحانه، وقد تقدّم الكلام على هذا مستوفى في سورة البقرة، والأعراف، وبني إسرائيل، والكهف، وطه. ثم إن الله سبحانه سأله عن سبب تركه للسجود الذي أمره به فقال: {يَاإِبْلِيسَ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ} أي: ما صرفك، وصدّك عن السجود لما توليت خلقه من غير واسطة؟ وأضاف خلقه إلى نفسه تكريماً له، وتشريفاً، مع أنه سبحانه خالق كل شيء كما أضاف إلى نفسه الروح، والبيت، والناقة، والمساجد.
قال مجاهد: اليد هنا بمعنى: التأكيد، والصلة مجازاً كقوله: {ويبقى وَجْهُ رَبّكَ} [الرحمن: 27]. وقيل: أراد باليد القدرة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد، وما لي به يدان أي: قدرة، ومنه قول الشاعر:
تحملت من عفراء ما ليس لي به ** ولا للجبال الراسيات يدان

وقيل: التثنية في اليد للدلالة على أنها ليس بمعنى: القوّة، والقدرة، بل للدلالة على أنهما صفتان من صفات ذاته سبحانه، و{ما} في قوله: {لِمَا خَلَقْتُ} هي: المصدرية، أو الموصولة. وقرأ الجحدري: {لما} بالتشديد مع فتح اللام على أنها ظرف بمعنى: حين كما قال أبو عليّ الفارسي. وقرئ: {بيدي} على الإفراد {أَسْتَكْبَرْتَ} قرأ الجمهور بهمزة الاستفهام، وهو استفهام توبيخ، وتقريع و{أَمْ} متصلة. وقرأ ابن كثير في رواية عنه، وأهل مكة بألف وصل، ويجوز أن يكون الاستفهام مراداً، فيوافق القراءة الأولى كما في قول الشاعر:
تروح من الحيّ أم تبتكر

وقول الآخر:
بسبع رمين الجمر أم بثمانيا

ويحتمل أن يكون خبراً محضاً من غير إرادة للاستفهام، فتكون {أم} منقطعة، والمعنى: استكبرت عن السجود الذي أمرت به بل أكُنتَ مِنَ العالين، أي: المستحقين للترفع عن طاعة أمر الله المتعالين عن ذلك، وقيل: المعنى: استكبرت عن السجود الآن، أم لم تزل من القوم الذين يتكبرون عن ذلك؟ وجملة: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ} مستأنفة جواب سؤال مقدّر، ادّعى اللعين لنفسه: أنه خير من آدم، وفي ضمن كلامه هذا: أن سجود الفاضل للمفضول لا يحسن. ثم علل ما ادّعاه من كونه خيراً منه بقوله: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}، وفي زعمه أن عنصر النار أشرف من عنصر الطين، وذهب عنه أن النار إنما هي بمنزلة الخادم لعنصر الطين إن احتيج إليها استدعيت كما يستدعى الخادم، وإن استغنى عنها طردت، وأيضاً فالطين يستولي على النار، فيطفئها، وأيضاً فهي لا توجد إلا بما أصله من عنصر الأرض، وعلى كل حال، فقد شرّف آدم بشرف، وكرّم بكرامة لا يوازيها شيء من شرف العناصر، وذلك أن الله خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، والجواهر في أنفسها متجانسة، وإنما تشرف بعارض من عوارضها. وجملة: {قَالَ فاخرج مِنْهَا} مستأنفة كالتي قبلها، أي: فاخرج من الجنة، أو من زمرة الملائكة، ثم علل أمره بالخروج بقوله: {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أي: مرجوم بالكواكب مطرود من كل خير {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إلى يَوْمِ الدين} أي: طردي لك عن الرحمة، وإبعادي لك منها، ويوم الدين يوم الجزاء، فأخبر سبحانه وتعالى: أن تلك اللعنة مستمرّة له دائمة عليه ما دامت الدنيا، ثم في الآخرة يلقى من أنواع عذاب الله، وعقوبته، وسخطه ما هو به حقيق، وليس المراد: أن اللعنة تزول عنه في الآخرة، بل هو ملعون أبداً، ولكن لما كان له في الآخرة ما ينسى عنده اللعنة، ويذهل عند الوقوع فيه منها صارت كأنها لم تكن بجنب ما يكون فيه، وجملة: {قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} مستأنفة كما تقدّم فيما قبلها أي: أمهلني، ولا تعاجلني إلى غاية هي يوم يبعثون: يعني: آدم، وذريته {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين} أي: الممهلين {إلى يَوْمِ الوقت المعلوم} الذي قدّره الله لفناء الخلائق، وهو عند النفخة الآخرة، وقيل: هو النفخة الأولى.
قيل: إنما طلب إبليس الإنظار إلى يوم البعث؛ ليتخلص من الموت، لأنه إذا أنظر إلى يوم البعث لم يمت قبل البعث، وعند مجيء البعث لا يموت، فحينئذٍ يتخلص من الموت. فأجيب بما يبطل مراده، وينقض عليه مقصده، وهو الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم، وهو الذي يعلمه الله، ولا يعلمه غيره. فلما سمع اللعين إنظار الله له إلى ذلك الوقت قال: {فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} فأقسم بعزّة الله أنه يضلّ بني آدم بتزيين الشهوات لهم، وإدخال الشبه عليهم حتى يصيروا غاوين جميعاً. ثم لما علم أن كيده لا ينجع إلا في أتباعه، وأحزابه من أهل الكفر، والمعاصي، استثنى من لا يقدر على إضلاله، ولا يجد السبيل إلى إغوائه، فقال: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين} أي: الذين أخلصتهم لطاعتك، وعصمتهم من الشيطان الرجيم، وقد تقدّم تفسير هذه الآيات في سورة الحجر، وغيرها.
وقد أقسم ها هنا بعزّة الله، وأقسم في موضع آخر بقوله: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى} [الأعراف: 16] ولا تنافي بين القسمين، فإن إغواءه إياه من آثار عزّته سبحانه، وجملة {قَالَ فالحق والحق أَقُولُ} مستأنفة كالجمل التي قبلها. قرأ الجمهور بنصب الحق في الموضعين على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم، فانتصب، أو هما منصوبان على الإغراء، أي: الزموا الحق، أو مصدران مؤكدان لمضمون قوله: {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ}، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، والأعمش، وعاصم، وحمزة برفع الأوّل، ونصب الثاني، فرفع الأوّل على أنه مبتدأ، وخبره مقدّر، أي: فالحق مني، أو فالحق أنا، أو خبره: لأملأن، أو هو خبر مبتدأ محذوف، وأما نصب الثاني، فبالفعل المذكور بعده أي: وأنا أقول الحق، وأجاز الفراء، وأبو عبيد أن يكون منصوباً بمعنى: حقاً لأملأنّ جهنم. واعترض عليهما بأن ما بعد اللام مقطوع عما قبلها.
وروي عن سيبويه، والفراء أيضاً: أن المعنى: فالحق أن إملاء جهنم.
وروي عن ابن عباس، ومجاهد: أنهما قرآ برفعها، فرفع الأوّل على ما تقدّم، ورفع الثاني بالابتداء، وخبره الجملة المذكورة بعده، والعائد محذوف. وقرأ ابن السميفع، وطلحة بن مصرف بخفضهما على تقدير حرف القسم. قال الفراء: كما يقول الله عزّ وجلّ: لأفعلنّ كذا، وغلطه أبو العباس ثعلب وقال: لا يجوز الخفض بحرف مضمر، وجملة {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ} جواب القسم على قراءة الجمهور، وجملة: {والحق أَقُولُ} معترضة بين القسم، وجوابه، ومعنى {مِنكَ} أي: من جنسك من الشياطين {وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} أي: من ذرّية آدم، فأطاعوك إذ دعوتهم إلى الضلال، والغواية و{أَجْمَعِينَ} تأكيد للمعطوف، والمعطوف عليه، أي: لأملأنها من الشياطين، وأتباعهم أجمعين.
ثم أمر الله سبحانه رسوله: أن يخبرهم بأنه إنما يريد بالدعوة إلى الله امتثال أمره لا عرض الدنيا الزائل، فقال: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} والضمير في: {عليه} راجع إلى تبليغ الوحي، ولم يتقدّم له ذكر، ولكنه مفهوم من السياق. وقيل: هو عائد إلى ما تقدّم من قوله: {أَءنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا} [ص: 8] وقيل: الضمير راجع إلى القرآن، وقيل: إلى الدّعاء إلى الله على العموم، فيشمل القرآن، وغيره من الوحي، ومن قول الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى: ما أطلب منكم من جعل تعطونيه عليه {وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين} حتى أقول ما لا أعلم إذ أدعوكم إلى غير ما أمرني الله بالدعوّة إليه، والتكلف: التصنع. {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين} أي: ما هذا القرآن، أو الوحي، أو ما أدعوكم إليه إلا ذكر من الله عزّ وجلّ للجنّ، والإنس. قال الأعمش: ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين {وَلَتَعْلَمُنَّ} أيها الكفار {نَبَأَهُ} أي: ما أنبأ عنه، وأخبر به من الدّعاء إلى الله، وتوحيده، والترغيب إلى الجنة، والتحذير من النار {بَعْدَ حِينِ} قال قتادة، والزجاج، والفراء: بعد الموت.
وقال عكرمة، وابن زيد: يوم القيامة.
وقال الكلبي: من بقي علم ذلك لما ظهر أمره، وعلا، ومن مات علمه بعد الموت.
وقال السدّي: وذلك يوم بدر.
وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس {إِذْ يَخْتَصِمُونَ}: أن الخصومة هي: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ} إلخ.
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي عن ابن عمر قال: خلق الله أربعاً بيده: العرش، وجنة عدن، والقلم، وآدم.
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن الحارث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده»، وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {فالحق والحق أَقُولُ} قال: أنا الحق أقول الحق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} قال: قل يا محمد: {مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} ما أدعوكم إليه {مِنْ أَجْرٍ} عرض دنيا. وفي البخاري، ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال: بينما رجل يحدّث في المسجد، فقال فيما يقول: {يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 10] قال: دخان يكون يوم القيامة يأخذ بأسماع المنافقين، وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين كهيئة الزكام، قال: قمنا حتى دخلنا على عبد الله، وهو في بيته، وكان متكئاً، فاستوى قاعداً، فقال: يا أيها الناس من علم منكم علماً، فليقل به، ومن لم يعلم، فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول العالم لما لا يعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين}.
وأخرج البخاري عن عمر قال: نهينا عن التكلف.
وأخرج الطبراني، والحاكم، والبيهقي عن سلمان قال: نهانا رسول الله أن نتكلف للضيف.